فاقدو السند الأسري و«مرض» تقديس الاسم

مقال من حبر بقلم لينا شنك 

 تخيّل أن تولد بلا اسم أخير في مجتمع يقدّس هذا الاسم ويترك له تسيير كل شؤون حياتك. تخيّل أن تضطر إلى اختلاق هوية وهميّة من اسم العائلة ومسقط الرأس وبلدة الجد الأصليّة بحسب الموقف الذي تجد نفسك فيه، ومن ثم تبدّل هذه الهوية بعد ساعات لتتماشى مع موقف آخر. هذا هو لسان حال فئة الأيتام الذين يجهلون هوية ذويهم، ونشأوا في دور الرعاية، فقلّما يجدون من يتقبّلهم من دون أن يطلق عليهم ألقاب مثل «ابن حرام» أو «لقيط» أو يحمّلهم «ذنب» ذويهم الذين لا يعرفونهم بالأساس. في إطار بحث أجراه مركز المعلومات والبحوث في مؤسسة الملك الحسين عن التمييز الذي يتعرض له الشباب فاقدو السند الأسريّ في الأردن، التقيت بعدد من الأشخاص الذين قصّوا تجاربهم الشخصية، التي أرتني حجم التمييز الذي يتعرضون له. يحمل هؤلاء الأشخاص في العادة أسماء أخيرة وهميّة، يمنحها لهم موظف في دائرة الأحوال المدنية بمقتضى أحكام القانون. بيد أن هذا الاسم في العادة يشبه الأسماء الأولى في مجتمعنا بدل الأخيرة، ممّا يزيد من فضول الشخص الذي يدقّق في هويتهم، فيرغب في معرفة أصل هذه العائلة «الغريبة» التي لم يسمع بها من قبل. لهذا السبب، صرّح أغلب المشاركين في البحث بأنهم غير فخورين بأنفسهم، ويحاولون تفادي ذكر أسمائهم الأخيرة. ولكن قسْمًا لا بأس به منهم يقول أنه مجبر على اختلاق هويات وهميّة إلى حين تخلّص المجتمع من «المرض» المتمثّل في احترام الاسم الأخير وإهمال كل ما يقدمه الشخص عوضًا عنه. منهم من تعود أصول عائلته إلى الضفة الشرقيّة صباحًا أمام السائل الذي يفضل هذا المنبت، ومن ثم تصبح أصوله من الضفة الغربية للنهر في المساء إذا صادف شخصًا غربيّ الهوى!

لا بد أن هذا الخوف من الكشف عن الهوية الحقيقية لم يأتِ من فراغ، فهناك قصص لا تنضب عن ردود الفعل التي تلقوها هم أو غيرهم ممن يعانون من الوضع ذاته، فإما الاستغلال أو الشفقة. هناك من شُتمت أمهم أو أخواتهم في أقسام للشرطة بحجة أن كرامتهم لن تهان، فهم لا يعرفون أُمًّا أو أختًا بالأساس. وعمل غيرهم في وظائف ولم يتقاضوا رواتبهم، أو تقاضوا أقلّ من الحد الأدنى من الأجور رغم أنهم عملوا أكثر من الحد الأقصى من الساعات. ولأنهم لا يملكون ترف الاختيار أو الاعتراض اختاروا الصمت. هم بلا خيارات عديدة، لأن التوظيف كما أمور كثيرة في الأردن لاسم العائلة فيه دور أساسيّ، وهو ما يجعلهم في موقع ضعف أمام الآخرين. أمّا بالنسبة للتعليم، فقد ذكر 13 من أصل 18 شخصًا شاركوا في البحث أنهم لم يذهبوا إلى المدرسة بشكل يوميّ وهم في دور الرعاية، وظلّوا على هذا الحال حتى أتت ساعة اختيار المسار الثانويّ الذي يرغبون به، دون أن يكونوا جاهزين لهذا الاختيار. لكن على الجانب الآخر، هناك أشخاص كُثرٌ نجحوا في إنهاء التعليم المدرسي والجامعي، وكثيرون حصلوا على شهادات الدراسات العليا، لكنهم يظلون الاستثناء لا القاعدة بحكم وضع دور الرعاية، بدليل استهلالهم لقصص نجاحهم بـ«أنا الوحيد من الدار» الذي فعل كذا وكذا. التهيئة لا تتعلق بالتعليم فقط، فقد صرّح جميع المشاركين في البحث من دون استثناء بأنهم «غير مستعدين» لمرحلة الاستقلالية التي تتبع خروجهم من دور الرعاية بعد سن الثامنة عشرة. وهم بطبيعة الحال غير مهيّأين لمرحلة الزواج، التي يواجهون فيها مصاعب كثيرة خصوصًا في ظل رفض معظم العائلات الأردنية مصاهرتهم. بحسب استطلاع أجراه مركز المعلومات والبحوث لغايات البحث ذاته، تبيّن أن 15٪ فقط من الأسر الأردنية لا تمانع زواج بناتها من شخص مجهول الوالدين، وهي نتيجة أكدتها أقوال الأمهات المتقاعدات اللواتي قمن بتربية بعضٍ من هؤلاء الشباب والتقيت بهن في أماكن سكنهن، حيث اشتكين من سوء معاملة أبنائهن في هذا الموضوع بالذات، فالكل يخشى سؤال «من أي عيلة؟». في بعض الحالات، استخدمت بعض المؤسسات هذا الرفض المجتمعي للزواج من فئة فاقدي السند الأسري من أجل إقناع الفتيات، من هذه الفئة، بالزواج من أول شخص يطرق أبواب المؤسسة بحثًا عن عروس. وافقت إحداهن قبل سنوات عديدة رغبةً في الاستقرار تحت سقف واحد لباقي العمر كباقي الناس كما تقول، ولكنها عرفت منذ اليوم الأول أنها تريد الطلاق من هذا الزوج الذي اعتاد أن يضربها. لم تجد من يقف إلى جانبها، فحجّة المسؤولات الوحيدة أنها يجب أن «تحمد الله اللي لقت حد يتزوجها»، وأنها يجب أن تتذكر أنها لن تجد مأوىً سوى الشارع لو حصلت على الطلاق، وهو ما حدث بالفعل. تلك الفتاة لم تكن وحدها المهددّة بالبقاء في الشارع، فهناك فتاة أخرى، التقيت بها، كانت تقضي الليالي على كرسي في إحدى المنتزهات في أشهر الشتاء الباردة. واضطرت لتغيير مظهرها وطريقة لباسها حتى لا تتعرض للتحرش، وتقول أنها كانت تنام وهي جالسة جلسة طبيعية، فيخيّل للمارة أنها فتاة تروّح عن نفسها، بينما هي في الحقيقة بلا مأوى! لا شك بأن الصورة مع الأسف سوداوية، لكن على الجانب الآخر منها جزء مشرق، وفيه عدد من النجاحات التي حققها هؤلاء الشباب، وهي نجاحات لم تكن لتتحقق لولا عزيمتهم ورغبتهم في إثبات قدراتهم التي يريدون من المجتمع أن يعترف بها، وبفضل جهود بعض مؤسسات المجتمع المدني التي تعمل على تمكينهم وتوفير الخدمات لهم، وكذلك بفضل الأمهات الاستثنائيات التي حظي بهنّ هؤلاء الشباب في صغرهم. الأمهات الاستثنائيات اللواتي بذلن جهدًا جبارًا في تربية هؤلاء الأبناء على أنهم تمامًا مثل غيرهم من الناس، حتى وإن سمعوا غير ذلك في المدرسة الحكومية والخاصة على حد سواء؛ الأمهات اللواتي تابعن كل أمور حياة أبنائهن، بل وتردّدن على المدرسة بصورة دوريّة ليكنّ مطّلعات على أحوالهم. لتلكم الأمهات ألف تحيّة احترام، ولذلك المجتمع ألف سؤال عن القيم المشوهة التي صارت من المسلمات!